الخطيب الشربيني

719

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

رسول الله صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى القمر فقال : يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإنّ هذا هو الغاسق إذا وقب » « 1 » أخرجه الترمذي ، وقال : حديث صحيح حسن فعلى هذا المراد به القمر إذا خسف وأسود وذهب ضوءه ، أو إذا دخل في المحاق وهو آخر الشهر ، وفي ذلك الوقت يتم السحر المؤثر للتمريض ، وهذا مناسب لسبب نزول هذه السورة . ثانيها : ما روي عن ابن عباس : أنّ الغاسق الليل إذا وقب ، أي : أقبل بظلمته من المشرق ، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار . والغسق : البرد ، وإنما أمر بالتعوّذ من الليل لأنّ فيه الآفات ويقل الغوث ، ومنه قولهم : الليل أخفى للويل ، وقولهم : أعذر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه العدوّ ، وفيه يتم السحر ، وأسند الشر إليه لملابسته له من حدوثه فيه . ثالثها : إنه الثريا إذا سقطت وغابت ، ويقال : إنّ الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها ، فلهذا أمر بالتعوّذ من الثريا عند سقوطها . رابعها : أنه الأسود من الحيات ، ووقبه : ضربه ونقبه والوقب النقب ، ومنه : وقبت الثريد . ولما كان السحر أعظم ما يكون لما فيه من تفريق المرء من زوجه وأبيه وابنه ونحو ذلك عقب ذلك بقوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ، أي : النساء ، أو النفوس ، أو الجماعات السواحر اللواتي تعقد عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين عليها ، والنفث : النفخ مع ريق . وقال أبو عبيدة : النفاثات من بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : ما معنى الاستعاذة من شرّهن ؟ أجيب : بثلاثة أوجه : أحدها : أنه يستعاذ من عملهنّ الذي هو صنعة السحر ، ومن إثمهنّ في ذلك . ثانيها : أن يستعاذ من فتنتهنّ الناس بسحرهنّ وما يخدعنهم به من باطلهنّ . ثالثها : أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهنّ . قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بهنّ النساء الكيادات من قوله تعالى : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ يوسف : 28 ] تشبيها لكيدهنّ بالسحر والنفث في العقد ، أو اللاتي يفتنّ الرجال بتعرضهنّ لهم وعرضهنّ محاسنهنّ كأنهنّ يسحرنهم بذلك . تنبيه : اختلف في النفث في الرقى ، فجوّزه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ويدل عليه حديث عائشة قالت : « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذتين » « 2 » . وروى محمد بن حاطب : « أنّ يده احترقت فأتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام زعم أنه لم يحفظه » « 3 » . وروى « أنّ قوما لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : هل فيكم من راق ؟ قالوا : لا حتى تجعلوا لنا شيئا ، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم ، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برئ ، فأخذوه ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : وما يدريك أنها رقية خذوا واضربوا لي معكم بسهم » « 4 » . وأنكر جماعة النفث والتفل في الرقي ، وأجازوا النفخ بلا ريق . وقال عكرمة : لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد . وقيل : إنّ النفث في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان ، وإذا كان النفث لإصلاح الأرواح والأبدان

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3366 . ( 2 ) أخرجه مسلم في السلام حديث 2192 . ( 3 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 4 ) أخرجه مسلم في السلام حديث 2201 .